المقريزي
434
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فنشر بالدّشت لما ملك دين الإسلام وحمل قومه على الدّخول فيه ، فأسلموا بعد ما كانوا عباد أصنام ، وعمر مدينة سراي ، وجعلها دار ملكه ، فصار من حينئذ يدعى دشت بركة . فوقع كلام إيدكو من تيمور بموقع ، وسار إلى الدّشت بعساكر لا تعدّ كثرة ، وقد جمع له الخان توقتاميش جمعا عظيما ما بين فرسان ورجالة ، وزحفا للحرب ، فانهزم توقتاميش بعد وقعة شنيعة ، وغنم تيمور ما لا يدخل تحت حصر ، وعاد وقد عظمت عنده مكانة إيدكو . فلما نزل سمرقند خافه إيدكو وأخذ يعمل الحيلة في الخلاص منه ، فبعث سرا إلى أقاربه وجيرانه وقبائل الميسرة كلّهم أن يرحلوا عن مواضعهم وينزلوا في أماكن عيّنها لهم صعبة المسالك ليتحصّنوا بها من تيمور ، وخوّفهم منه أنه يريد قتلهم . فلما فعلوا ما رسم لهم رجع إلى تيمور ليخدعه ، وقال : يا مولانا الأمير ، أيّدك اللّه ، إن لي من الأهل والأقارب والأتباع والعشيرة جمّا غفيرا ، وهم في الحقيقة عضدي وساعدي ، ولا آمن عليهم أن يبطش بهم الخان توقتاميش فيفنيهم حنقا مني ، لأني امتنعت عليه بخدمتك ، وأني صرت من جماعتك ، فإن اقتضت الآراء الشريفة إرسال أحد إليهم بمرسوم شريف يطيّب خواطرهم ، ويؤمّنهم حتى يرحلوا بأهليهم إلى خدمتك ويصيروا من جملة عبيدك ليتمكن العبد بهم من بياض وجهه في القيام بحقوق الطّاعة . فمشت خديعته على تيمور ، وقال : أنت تذهب إليهم وتأتي بهم . فسأل أن يضاف إليه واحد من الأمراء ليساعده ويشهد له بما يبذل فيه جهده من الخدمة ، وأن يكتب على يديهما مراسيم بما تقتضيه الآراء الشّريفة ، فعين له تيمور أميرا ، وكتب له مراسيم بطلبهم وسار . ثم إن تيمور ندم على تخلية سبيل إيدكو ، واستدرك فارطه ، وكتب إليه أن يرجع ليوصيه بأمر عن له ، فعند ما جاءه القاصد بذلك أمر الأمير الذي معه أن يرجع وأظهر ما في نفسه ، ومضى ، فلم يجد ذلك الأمير سبيلا إلى ردّه ، وعاد إلى تيمور فكاد يتحرّق من الأسف ، ولم يعلم أن